المنتدى :
شُرُفـات الذائقـة
السطر المهمل
السطر المهمل
قصة قصيرة
أيتها الحرب ...تبا لك ولمشعليك
كذب وتوهم من ادعى الانتصار فيك ...فبدايتك كلام ونهايتك مقابر وخراب
(ان الحقائق التي نسكت عنها تغدو سامة )
نيتشه
لم أكن في يوم من الأيام مهتما بعادات الأهل وتقاليدهم ,وهم يعرفون ذلك , لكن الذي حيرني هو كيف وقع اختيارهم علي لمرافقة جمع من النسوة من الأقارب والذهاب لزيارة قبور أهلنا في تلك المقبرة البعيدة , ولا اعرف سبب قبولي لذلك الاختيار كذلك.
وصلنا ضحى يوم قائظ ,الشمس فيه توسطت كبد السماء وبدأت ترسل ألسنه من اللهب لا تحتمل , ما ان توقفت الحافلة في إحدى طرقات تلك المقبرة وما أكثرها حتى تسارعت النسوة بالنزول وسط فوضى تدافعهن وصراخ الأطفال وضجيجهم وما هي إلا لحظات حتى تفرقن نائحات بين القبور المتلاصقة في ارض المقبرة الجرداء , أما أنا فرحت أسير على مهل مدهوشا من سعة تلك المقبرة التي تمتد أمام عيني مالئة الأفق مأخوذا بهذا الكم الهائل من القبور التي تجاورت بشكل متقن ,انتقل بخطوي حاملا دهشتي التي تزداد اتساعا وأنا اقرأ بصمت شواهد تلك القبور التي كتبت بحروف بارزة تحمل صورا التفت عليها جدائل ورد صناعي تكالح لونه بفعل الزمن ,يعتصرني الم لمرآها وهي فرحة من خلال الزجاج المنير لاهية عما خبأته لها يد القدر.
جفلت ورجعت إلى الوراء مرتبكا وأنا أبصر جسدا ممددا في الجهة الظليلة لقبر حديث ,لم أتبين معالم ذلك الجسد حيث ان شعر الرأس نمى واستطال على سجيته حتى اختلط بالشعر النابت على الخدين ملتحما بشعر الذقن الذي استطال هو الأخر حتى وصل قريبا من نقرة الصدر ,انعدمت الفواصل بين معالم ذلك الوجه حتى بدا لي كتلة شعر نزاحم فيها اللون الأسود والأبيض ,أنفاس خفيفة تعلو وتهبط لصدر ضامر امتدت له يد الخراب تدلك على وجود حياة خابية في هذا الجسد الممدد بإهمال وكان قبرا قد انشق ولفظه الى الخارج .
عندما أحس بوجودي تحرك بوهن فاتحا عينيه بإجهاد ,وامتدت يده مزيلة خصلات شعر حجبت الرؤية عن عينيه المتعبتين ,فقلت هامسا بعد ان تمالكت نفسي (( سبحان الله , أعوذ بالله )) فاجأني بصوت يحمل نبرة واثقة قائلا (لم أكن شيطانا يا أخ ) وأردف وهو يعيد الرداء الذي انحسر عن رجليه ليغطيهما ( و عليكم السلام ) , أخجلني كلامه فبادرته قائلا بلهجة فيها ألفة عتب ودود (اعلم يا أخي أن الحياة لا تواجهنا بشيء لا نقدر عليه !!) فقال بيائس : هاأنذا نتاج تلك المواجهة غير العادلة !! فقلت ادر وجهك إلى الجهة الأخرى وحتما ستجد لونا أخر يستهوي عينيك فتسد به,فقال هيهات يا سيدي وكمل بعد لحظة صمت والألم يتصاعد سحنة وجهه قائلا : الم ترى أني احتضن جهاتي الأربعة !! وأشار بيده إلى قبور ثلاثة تلاصقت بشكل لافت مع القبر الذي تمدد بقربه .
أجلت بصري حيث أشار فهالني ما كان خافيا حيث وجدت أنها تشابهت باسم الأب ! ولكنه أيقظني من دهشتي قائلا وهذه هي الأم ! والأب ... لا ... الركام الذي أمامك هو الأب !وأكمل بمرارة كل الجهات امتلأت بالخيبات فلم تبقى إلا جهة واحدة معلومة إليها أدير الوجه ! وراح جسده على حافة القبر حيث اعترت جسمه رعشة خفيفة واضعا كفيه على وجهه يجاهد بإخفاء نشيجا يصعد من أعماقه بقسوة مؤلمة !! خيم علينا صمت مهيب لبرهة قصيرة ولكنه بادرني قائلا وكأنه يحدث نفسه :العمر صحاف ,ولكل منا صحيفة عمر وللصحيفة وجهان إلا أنا فصحيفة عمري لا تحمل إلا وجها واحد ختم بختم الخيبات !! لا ادري .. ولكني اعلم ان كابوسا مر بأحلام منامي مرات , أدخلني في جب قرب مزار( سيد عودة ) في قريتنا المجدبة أراني صحيفة عمري التي ابتدأ السطر الأول فيها بعصفور مشنوق من رجليه يتدلى ! وقرأت خيبات العمر وكأنهن بنات الأمس ! لكني شاهدت سطرا مهمل لم يحظى بالتدوين وشم بوشم الدم فجفلت فزعا منه وافقت ! فاعلم يا سيدي أني أقمت على كل الفضاءات المسكونة بالحذر مأتم خيباتي وتشظت مرايا عمري عندما حدقت بها وأدمت وجهي وأرجل العابرين حتى العصافير ! عندما جادت وأشار إلى قبر زوجته كنت قد اعتقدت أنها بطاقة الفرح الوحيدة التي اندست بين سطور صحيفة خيباتي ! كنت يا سيدي أحاول الهرب لأني اعلم ان الخيبة تطاردني ولكن أغوتني تلك الروح العطشى لخيط أمل واه , لومضة ضوء خافت ,إلى ان جاءت أجمل ليلة وجد وتصاف حتى أيقظت صحيفة خيباتي كل شرورها وانقضت بهمجية قاطعة خيط الأمل ألواه ومطفئة ومضة ذلك الضوء الخافت ! في تلك الليلة يا سيدي أيقضنا صوت غريب ,كنت وإياها قد أفقنا بعد ان ثملنا بكؤوس مترعة من الحب ,والأطفال نيام ننظر من شباك الموت نستجلي ضوضاء الصوت الذي أمات صمت الدرب وملأته بحرائق اضويتها الراكضة تصاحبها زمجرة مخيفة !خيط غليظ من الاضوية المجنونة التي تغطي حرائقها الباذخة كل الأمكنة التي تمر بها , كانت تقف ورائي تطوق عنقي بذراعيها ننظر من ذاك الشباك ,أنفاسها الدافئة تداعب عنقي فتزيد سعادتي ثراء ولكن صحيفة عمري أبت ألا أن تمضي بتدوين أخر !فأمرتها ان تشعل ضوء الفانوس قليلا ,ما أن بدا خيطه يمتص الزيت ,وذبالته بدأت تتعافى بشعلة ضوء صغيرة نشرتها على جوانب الغرفة وقد رجعت ورائي تطوق عنقي بذراعيها حتى شعرت بجسمها يهزني هزة خفيفة وسائل لزج يلامس يدي جفلت لدفئه الكريه وأحسست ببرودة ذراعيها فانتفضت ملتفتا إليها بصعوبة فرأيت رقبتها وقد تدلت فوق كتفي !! وخيط من الدم الأسود المحروق استباح وجهها القمحي الجميل وفتحه بلون الرماد اللزج قد وشمت جبينها الطافح بالبشر والحرائق واضويتها الراكضة سادرة في غيها لا تهدا !هرعت الى الفناء متعثرا أحاول الصراخ ولكن الكلمات تجمدت في حلقي الذي أصابه العطب ,ما ان خرجت الى الفناء حتى اهتزت الأرض تحت قدمي ودوي هائل أصابني بالصمم أوقعني أرضا ولكني أبصرت بطرف عيني ان الغرفة صارت ركام ,لم أفق إلا بعد أيام أحدق بصحيفة خيبات العمر التي بدت منتشية بارتواء اسطرها إلا السطر المهمل فانه لم يحظى بالتدوين ... يترقب .كنت مأخوذا بما اسمع ,لم يكن كلاما هذا الذي اسمعه بل سيمفونية حزن دام ! كنت استمع له محلقا مع نغمات صوته الآسرة التي امتلأت بشحنة من الشد لا توصف ,بدا صوته يتخافت منسجما مع انتهاء اللحن الحزين ...هكذا تصورت وأنا مصغ بذهول ولكني فوجئت بان جسمه قد اكتساه سكون مريب وعيناه قد فتحة بانطفاء بارد ,فاقتربت منه مادا يدي المرتجفة التي لامست وجهه فاعترتني رعشة خوف وأنا اشعر ببرودة جسده ولكني تيقنت بنزول الكارثة !! فأغلقت عينيه قائلا والدموع تملا عيني (الآن يا ولدي حظي السطر المهمل بالتدوين ).
كريم جبار الهلالي
|